لاجئو فلسطين في سوريا يسألون: ما الذي تبقى لنا من الأونروا؟

فايز أبو عيد ـ مجموعة العمل
فتح قرار وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) تقليص ساعات العمل والخدمات في سوريا نقاشاً واسعاً داخل المخيمات والتجمعات الفلسطينية، وانقسمت آراء اللاجئين بين عدم مكترث، وحالة من الغضب تتهم الوكالة بالعجز والتقصير، وتحذيرات حقوقية من أن ما يجري يمس أوضاعهم ويدق المسمار الأخير في نعش قضيتهم.
هذا الجدل والاختلاف في وجهات النظر أتى في سياق إنساني شديد التعقيد، إذ يعيش اللاجئون الفلسطينيون في سوريا واحدة من أصعب مراحلهم منذ نكبة عام 1948، فبعد أكثر من 14 عاماً من الحرب، وما رافقها من دمار وقصف واسع طال المخيمات، وما خلفته تلك الحرب من تداعيات سلبية شملت كافة مناحي حياتهم، منها تفكك سبل العيش، وارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر والبطالة.
ووفقاً لبيانات الأونروا، يبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في سوريا نحو 438 ألف لاجئ، يعتمد أكثر من 90% منهم على المساعدات الإنسانية، في ظل تراجع القدرة على تأمين الدخل، وانهيار القدرة الشرائية.
من الناحية التعليمية، تدير الوكالة الأممية في سوريا شبكة خدمات تشمل نحو 100 مدرسة كانت تخدم عشرات آلاف الطلبة قبل الحرب، إضافة إلى قرابة 23 مركزاً صحياً ونقاط طبية، إلى جانب برامج الإغاثة الطارئة، إلا أن هذه الخدمات تقلصت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة بفعل العجز المالي المتراكم.
وتشير تقديرات الوكالة إلى أن أكثر من 40% من منشآتها في سوريا تضررت كلياً أو جزئياً، فيما خرج عدد منها عن الخدمة، خاصة في مخيمات مثل اليرموك ودرعا وحندرات.
أما على أرض الواقع، عبّر لاجئون فلسطينيون عن غضبهم من قرار تقليص ساعات العمل، معتبرين أنه لا يغيّر كثيراً من واقع خدمات يقولون إنها «شبه غائبة أصلاً».
يقول حسان أحد سكان مخيم اليرموك: عن أي تقليص يتحدثون؟ نحن لم نعد نرى شيئاً من الأونروا، مضيفاً أن المساعدات النقدية توقفت منذ أكثر من عام.
بينما يذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن استمرار الوكالة بهذا الشكل «يفقدها معناها»، في ظل مستوصفات تفتقر للأدوية، ومدارس تعاني الاكتظاظ ونقص الكوادر.
بالمقابل، حذر ناشطون وخبراء في شؤون اللاجئين من أن التقليل من خطورة القرار ينطوي على مخاطر كبيرة، مؤكدين أن تقليص ساعات العمل سينعكس مباشرة على جودة الخدمات الصحية والتعليمية، وعلى قدرة الأونروا على الاستجابة للحالات الإنسانية الطارئة.
فيما يرى الباحث الحقوقي اياد الكردي إن «أي خفض في ساعات الدوام يعني عملياً تقليص عدد المراجعين، وتأخير العلاج، وزيادة الضغط على مدارس مكتظة أصلاً، في بيئة لا تمتلك أي بدائل».
ويرى حقوقيون أن المسألة لا تتعلق بالخدمات فقط، بل تمس البعد القانوني والسياسي لقضية اللاجئين الفلسطينيين. فالأونروا، وفق توصيفهم، ليست مجرد مزود خدمات، بل تمثل اعترافاً دولياً مستمراً بوجود قضية لاجئين لم تُحل، وبحق العودة المنصوص عليه في القرار الأممي 194. ويحذر مختص في القانون الدولي من أن «إضعاف الأونروا أو تفريغها من مضمونها يفتح الباب أمام مقاربات بديلة تختزل القضية في مساعدات مشروطة أو دمج قسري، بعيداً عن الحقوق السياسية والتاريخية».
إلى ذلك أصدرت عدد من المنظمات الأهلية والحقوقية، بيانات متعددة أدانت فيها تقليص الخدمات وساعات العمل، موضحة أنها تُدرك مدى خطورة السياق المالي الدولي الضاغط، والتراجع العام في التزامات التمويل الإنساني، لكنها شددت على غير أن تحميل الكلفة الأساسية للأزمة المالية على الموظفين المحليين عبر تقليص ساعات العمل وما يرافقه من خفض في الأجور يمثّل اختلالًا هيكليًا في إدارة الأزمة، ويُنذر بمخاطر مؤسسية بعيدة المدى، ذلك أن الأونروا، بوصفها مؤسسة خدمية، تقوم أساسًا على كوادرها البشرية لا على الأصول أو الأدوات، ومن أبرز هذه المخاطر تآكل رأس المال البشري الذي يشكّل العمود الفقري للعمليات الميدانية، وإضعاف الثقة الداخلية بين الإدارة والعاملين بما ينعكس سلبًا على الكفاءة التشغيلية، فضلًا عن تحويل الإجراءات المؤقتة إلى نمط تقشفي دائم يفرغ الوكالة تدريجيًا من مضمون ولايتها.
وفي ظل هذا المشهد، تتباين مواقف اللاجئين بين من يطالب بحلول جذرية، كالهجرة إلى دول تضمن الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية، ومن يجدد التمسك بحق العودة إلى فلسطين باعتباره الحل الوحيد، فيما يسود شعور عام بالتيه وغياب الأفق. ويلخص أحد اللاجئين هذا الواقع بالقول: «نحن عالقون بين وكالة عاجزة وبديل غير موجود».
وبين الغضب الشعبي المتصاعد والتحذيرات الحقوقية، يبدو أن قرار تقليص ساعات عمل الأونروا في سوريا ليس سوى عرض لأزمة أعمق، تتجاوز الجانب المالي، وتمس مستقبل اللاجئين الفلسطينيين ودور المجتمع الدولي تجاههم. وفي ظل غياب رؤية واضحة للإصلاح أو ضمانات لاستمرار الخدمات، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ما يجري مقدمة لمعالجة حقيقية لأزمة الأونروا، أم خطوة جديدة في مسار تآكل الدور الدولي تجاه لاجئي فلسطين في سوريا؟

الأخبار والمقالات ذات صلة

المشاركة