فايز أبو عيد
في لحظة الوداع، حينما عبرت بوابة المطار، انتابتني مشاعر الألم والغربة وغصة في قلبي لم أشهد مثلها من قبل، تركت خلفي كل شي، عائلتي، أصدقائي، خلاني، ذكرياتي، وأحلامي، التي نسجتها بسنوات العمر، وحملت في حقيبتي عبء الوحدة والمصير المجهول الذي ينتظرني.
كانت دموع الغيوم تبكي معي، وعيوني تلتقط قطرات الحزن كلما مر شريط الذكريات الذي تركته خلفي، شعرت كمن يحترق بلهيب نار لا تنطفئ، فتنير درب غربة موحشة لم اعهدها من قبل.
لم تكن الغربة مجرد ابتعاد عن بقعة من الأرض، بل كانت سردًا مريرًا لأحلام محطمة وأيام متعبة، عشت ساعات من الخوف والقلق والشعور بالتشرد والضياع وأنا أقف في الشارع تائهاً، إلى أن وجدت مأوىً في سكن مشترك مع أشخاص من جنسيات متعددة، هنا انتابني شعور طالما كان يلازمني بأن الرفض رفيقي الدائم، فقط لأنني فلسطيني، كانت نظراتهم الحادة وكلماتهم القاسية تلاحقني تنخر في قلبي كأنها شفرة لا ترحم، الجدران تعيد لي همسات الإقصاء والعتاب من قبل فئة عنصرية لا تعرف معنى الرحمة والشفقة.
كل ليلة، وحدتي وقلمي شهودًا على الحيرة التي غطت عالمي وأسئلتي التي لا تنهي وتبقى غصة في فؤادي: أين سأجد مستقبلي؟ وماذا ينتظرني في هذا العالم الغريب؟ لم تغفل عيناي عن مراقبة ساعات الليل تلك، وهي تجر الأيام ببطء مؤلم، أما نهاراتي فكانت محاصرة بالبحث عن عمل، طوق النجاة الوحيد في بحر الغربة العميق.
وفي كل صباح، غادرت منزلي باكراً كأنني أحارب الزمن، لا أمل لا تفاؤل، حتى جاء ذلك اليوم الذي قبلت فيه كعامل في مطعم بعيد، فكانت مجرد فرصة للخلاص المؤقت.
لكن رغم ذلك قبولي بهذه الوظيفة، إلا أن جرح الغربة حينما ينكسر أمام العنصرية لا يُشفى بسهولة، وكلمات الزبون القاسية كالسكين صدمتني بقسوتها، تلك الكلمات التي حطمت قناع الابتسامة الزائف، وكشفت عن جرح عميق في هوية وحلم لا يزال ينبض بداخل قلبي، رجعت لعملي وأنا حزين الألم يعتصرني، لكن ما باليد حيلة أكملت اليوم وأنا أشعر بثقل يكاد يسحق روحي.
حتى في البيت، لا أجد راحة، فالكلمات العنصرية المسمومة كانت تحوم كالسُحب المعتمة حول وجودي، وقفت أمام نافذتي، أراقب الغروب وكأنه مرايا لوجعي الداخلي، وانغمس قلبي في تيه الغربة المميت، استمر هذا الحال لسنوات، تسع سنوات من الألم والصبر، تسع سنوات من الانتظار والتمسك بما تبقى من أمل.
هذا هو حالنا نحن الفلسطينيين في الغربة، نعيش الألم والذل بكرامة صامدة، نحفر في صخور الألم دربنا ونرفع في عتمة الليل راية الصمود، الغربة ليست فقط بُعداً عن الوطن، بل هي صراع يومي مع الانتظار والحنين، أوجاعنا فيها كثيرة، لكن روحنا أكثر صلابة، تكتب بأسطر الألم والأمل قصة حياة لا تنكسر، رغم كل الجراح.
الرابط المختصر: https://actionpal.ahmadalkhuleyf.net/ar?p=111800&preview=true

