فلسطينيو سوريا على أبواب رمضان: بين تضخم يلتهم المائدة وكرامة تقاوم الانكسار

مجموعة العمل ـ نضال خليل

ليس الفقر حدثاً عابراً في حياة فلسطينيي سوريا، لكنه صار بنية ذهنية قبل أن يكون حالة مادية؛ لقد انتقل من كونه نتيجة ظرف سياسي إلى كونه نظاماً يومياً لإدارة الحياة. هنا لا يقاس الزمن بالتقويم، بل بسعر الخبز، ولا تُحسب المواسم بالأعياد، بل بمقدار القدرة على تحملها.

اقتراب رمضان يكشف هذه البنية كما تكشف الأشعة عظاماً هشة؛ فالشهر الذي كان يُستقبل بوصفه طقساً اجتماعياً للتماسك، يتحول إلى امتحان اقتصادي. كان المجتمع الفلسطيني في سوريا في زمنه الاجتماعي المزدهر يعيد توزيع الدخل أخلاقياً عبر شبكات القرابة والتكافل، أما اليوم فقد تآكلت تلك الشبكات تحت ضغط الحاجة؛ فالعوز حين يطول لا يكتفي بإفراغ الجيوب، بل يعيد صياغة القيم.

فلسطينيو سوريا لم يكونوا مجرد كتلة سكانية، كانوا فضاءً اقتصادياً مصغراً ينتج طبقته الوسطى الخاصة؛ هذه الطبقة لم تكن ترفاً اجتماعياً، بل كانت ضمانة توازن، ومع انحسارها انكشف المجتمع على ثنائية قاسية:

  • . دخل محدود لا يكفي.
  • . أو تحويلات خارجية تبقي الداخل في حالة انتظار دائم.

وهكذا نشأ اقتصاد جديد يمكن تسميته “باقتصاد التعليق”: لا انهيار كامل ولا تعافٍ فعلي، إنما بقاء مؤجل. في هذا السياق، يغدو رمضان أكثر من شهر ديني؛ يصبح اختباراً للعلاقة بين الرمزي والمادي. الطقس الديني يفترض وفرة ما، أو على الأقل قدرة على المشاركة، لكن ماذا يحدث حين تتحول المشاركة إلى عبء؟ حين تُحسب وجبة الإفطار بحسابات تقشفية ويغدو شراء اللحم استثناءً لا قاعدة؟ هنا يتدخل ما يمكن تسميته بـ “لاهوت الصبر”: تحويل العجز الاقتصادي إلى فضيلة روحية، وتحويل الضرورة إلى معنى.

غير أن النقد الاجتماعي لا يكتفي بتوصيف هذا التحول، بل يسائل شروطه، لقد أعيد تشكيل الفلسطيني في سوريا ككائنٍ معتمد لا كفاعل اقتصادي. المساعدة التي كانت تكميلاً صارت أصلاً، والإعانة التي كانت طارئة غدت بنداً دائماً في ميزانية الأسرة؛ هذا الانتقال ليس بريئاً، إنه يعيد تعريف العلاقة بين الفرد ومجتمعه، وبين المجتمع ومؤسساته.

الأونروا، بوصفها مؤسسة إغاثية، تجد نفسها في قلب هذا التناقض؛ فهي مطالبة بأن تعوض غياب دورة اقتصادية حقيقية دون أن تمتلك أدوات إنتاج تلك الدورة، وهكذا تتحول من وكالة خدمات إلى جهاز لإدارة العوز. لكن العوز حين يُدار طويلاً يُنتج ثقافته الخاصة: ثقافة الانتظار، وثقافة التكيف، وثقافة الحد الأدنى.

الصورة العامة لا تنفصل عن واقع التضخم، ومحدودية فرص العمل، والاعتماد المتزايد على الخارج. الخارج هنا ليس جغرافيا فقط، بل هو مركز ثقل اقتصادي وأخلاقي؛ فالتحويل المالي يعيد توزيع السلطة داخل الأسرة، ويخلق نوعاً من التراتبية الجديدة بين من بقي ومن غادر.

ما يلفت في هذا المشهد ليس فقط شح الموارد، بل انكماش الأفق؛ فحين يتحول الهم المعيشي إلى أولوية مطلقة، تتراجع الأسئلة السياسية إلى الهامش؛ ليس لأن الوعي غاب، بل لأن الجوع أكثر إلحاحاً من النظرية. وهنا يكمن التحول الأخطر: انتقال المجتمع من حالة الانخراط العام إلى حالة الانشغال الخاص، ومن سؤال “ماذا نفعل؟” إلى سؤال “كيف نعيش؟”.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال ما تبقى من مقاومة رمزية: فانوس يُعلق في زقاق متعب، طبق متواضع يُعد بإصرار على الطقس، زيارة عائلية تُختصر في إمكانات محدودة؛ كلها إشارات إلى أن الذاكرة لا تزال تقاوم التبديد. ففلسطينيو سوريا، حتى وهم متشظون، يحتفظون ببعدهم الرمزي؛ ليس كجغرافيا مكتملة، بل كفكرة عن التضامن.

غير أن الفكرة وحدها لا تكفي لبناء اقتصاد، والمجتمع الذي يعيش طويلاً في اقتصاد العوز يواجه خطراً مزدوجاً: تآكل قدرته الإنتاجية وتآكل ثقته بذاته. رمضان في هذه الحال لا يكون مجرد شهر صوم، بل هو مرآة تعكس مقدار المسافة بين ما كان يُتخيل ممكناً وما صار واقعاً.

السؤال الذي يفرض نفسه ليس كيف سيمر الشهر، بل كيف يمكن كسر حلقة الاعتماد المزمن؟ هل يستطيع مجتمع خبر النكبات الكبرى أن ينتج من قلب العوز مشروع تعافٍ ذاتي؟ أم أن إدارة الفقر ستبقى قدره المؤجل؟

بين لاهوت الصبر ومادية الجوع، يعيش فلسطينيو سوريا لحظة دقيقة؛ لحظة يُعاد فيها تعريف الكرامة لا بوصفها شعاراً، بل بوصفها قدرة يومية على الاستمرار.

الأخبار والمقالات ذات صلة

المشاركة