ذاكرة رمضان والحاضر المُر

ظاهر صالح _ مجموعة العمل

قبيل أيام من حلول شهر رمضان المبارك، تبدو ملامح الشهر الفضيل باهتة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، كأنها تكاد تتلاشى تحت وطأة أزمة اقتصادية تُعدُّ الأصعب منذ عقود؛ إذ سقطت البلاد في فخ فقر بنيوي يستدعي تدخلاً عاجلاً وذا مسار مزدوج لإنقاذ الأسر السورية والفلسطينية على حد سواء. لا تقتصر معاناة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا على ارتفاع الأسعار فحسب، بل تمتد إلى شبح الفقر المدقع الذي التهم قدرة 92% منهم على تأمين قوت يومهم، وفقاً لبيانات وكالة “الأونروا”.

في هذا السياق، لم تعد “مونة رمضان” مجرد تقليد مهدد بالانقراض، بل تحولت إلى رفاهية يسخر منها الواقع؛ نتيجة للغلاء الفاحش، وندرة المساعدات، وتآكل الخدمات. في هذه المخيمات، حيث تمتزج رائحة البارود بإحساس اليأس، تتمسك ربات البيوت بخيوط الأمل الأخيرة؛ تحاول المرأة الفلسطينية في سوريا أن تصنع لأطفالها أجواء الشهر الكريم من قلب العوز، مستندة إلى ذاكرة اللجوء الأولى وإرث صامد لا يزول.

 لكن التساؤلات المصيرية تبقى ملحة: كيف يمكن لشهر الصوم أن يجلب البهجة والعائلاتُ ممزقة بين أنقاض منازلها؟ وكيف تُجهَّز سفرة الإفطار في ظل أزمة خدمات خانقة تفتك بسكان المخيمات؟

يرصد هذا التقرير ملامح استقبال رمضان في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، حيث يواجه السكان مثلث التحديات: الغلاء، والفقر، وتناقص المساعدات، في محاولة يائسة لإنقاذ ما تبقى من طقوس الشهر الفضيل.

أزمة اقتصادية خانقة

اعتادت العائلات الفلسطينية في مختلف المخيمات السورية —من اليرموك وحمص والشمال إلى اللاذقية ودرعا— استقبال شهر رمضان بإعداد مؤونته؛ كطقس تقليدي يجسد التكافل والكرم، عبر تجهيز “الرقائق” و”الكبب” و”ورق العنب”، لتزدان بها الموائد بعد يوم طويل من الصيام. لكن هذه الطقوس أضحت هذا العام حلماً بعيد المنال أو ذكرى مؤلمة لشريحة واسعة، بسبب الأزمة الاقتصادية التي وُصفت بأنها الأسوأ منذ بدء الأحداث؛ حيث فقدت العملة المحلية قيمتها وارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى مستويات قياسية.

تُظهر بيانات “الأونروا” أن 92% من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا (أكثر من 384 ألف شخص) يعانون انعدام الأمن الغذائي، بينما لا يزال نحو 30% منهم نازحين داخلياً بشكل مزمن، لاسيما أولئك الذين دُمرت منازلهم في مخيمات اليرموك وحندرات ودرعا.

وقد انعكس هذا الواقع الكارثي على أحاديث الأهالي؛ إذ تعبر ربات البيوت عن معاناة يومية مركبة تتمثل في شظف العيش، وغياب فرص العمل، وتراجع المعونات الإنسانية، واستمرار مرارة النزوح والعيش فوق الركام.

مونة رمضان تحت مقصلة الظروف

تصف الحاجة “أم محمود”، وهي أرملة من مخيم خان دنون بريف دمشق، كيف كان تحضير المونة في الماضي طقساً جامعاً للأهل والجيران. تقول بصوت مبحوح: “كنا نتبادل الأطباق، ونجتمع لتحضير الأكلات.. أما اليوم، فحالنا لا يسمح حتى بشراء الخضار. استُشهد زوجي في القصف قبل سنوات، وأولادي يعتمدون على أعمال يومية زهيدة الأجر، والأسعار خيالية؛ فقد أصبح كيلو اللحم ترفاً لا ندركه. ابني الصغير يسألني كل يوم عن الفانوس الذي وعدته به العام الماضي.. ماذا أقول له؟ الأولوية الآن هي للبقاء على قيد الحياة”.

وتشير “أم محمود” إلى أن المعاناة تتجاوز لقمة العيش لتشمل المشهد البائس للمخيم؛ فبعد أن كانت الأحياء تُزيَّن بالفوانيس والأنوار، باتت اليوم ترزح تحت وطأة الظلام وأولويات البقاء.

من بين الركام

رغم قسوة المشهد، تحاول بعض العائلات التي عادت مؤخراً إلى منازلها المدمرة جزئياً في مخيم اليرموك التمسك بعادة تحضير المونة ولو برمزية بسيطة؛ معتبرة إياها رسالة تحدٍ وإعلاناً للتمسك بالحياة والحق.

السيدة “نوال”، التي عادت إلى المخيم من حي الزاهرة، تتحدث عن سعيها لتحضير بعض الأساسيات قائلة: “لم يبقَ في المخيم إلا القليل منا، عدنا إلى منزلنا المتصدع وبقايا حينا المدمر. ما نحصل عليه بالكاد يكفي للخبز والعدس، لكنني أردت أن أُشعر أطفالي بأن رمضان لا يزال موجوداً، وأننا رغم الخراب قادرون على إحيائه”. وتتابع: “نحمد الله على ما رزقنا، خاصة أن عائلتنا كبيرة، لكن الأهم هو اجتماعنا معاً في مشهد افتقدناه لسنوات. نشعر بالرضا لأننا حافظنا على الطقوس ولو بالقليل؛ فهي رسالة تحدٍ لكل من ظن أن اليرموك سيموت”.

بهجة غائبة في زمن التراجع الخدمي

أما السيدة “فاطمة”، النازحة من مخيم حندرات شمال حلب والمقيمة في أحد مراكز الإيواء الجماعي، فتؤكد أن الأوضاع الخدمية المتردية غيرت ملامح استقبال الشهر جذرياً: “نعيش في غرفة واحدة مع عائلتين أخريين؛ لا خصوصية ولا أدوات طبخ كافية. كيف نفكر في المونة ونحن نفتقد المياه النظيفة والصرف الصحي الآمن؟ المخيمات في الشمال تعاني الأمرين من نقص المساعدات الإغاثية”.

وتضيف أن المساعدات شحيحة وغير منتظمة: “أحياناً تأتينا سلال غذائية لا تكفي لأسبوع واحد. نسمع أن الأونروا تخطط لمساعدة العائدين، لكننا في مراكز الإيواء نشعر بأننا منسيون. نتمنى أن تزيد التبرعات هذا العام، فالأسر هنا تنوء تحت أثقال فقدان المعيل، وتدمير المنازل، وتفشي الأمراض”.

المساعدات.. فجوة تتسع

تشير تقارير “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية” إلى أن غياب فرص العمل وتراجع المساعدات يمثلان التحديين الأكبر؛ إذ يشكل الأول 37% من حجم المعاناة، بينما يمثل الثاني 26%. ورغم وجود مبادرات محلية —كفريق “سراج” التطوعي في حمص، أو توزيع السلال في مخيم النيرب— إلا أن هذه الجهود تظل قطرة في بحر الاحتياجات المتصاعدة.

في هذا المناخ القاسي، يستعد أهالي المخيمات لرمضان بوجل، متمسكين بأهداب الذاكرة الفلسطينية التي ترفض الانكسار؛ يحاولون اقتناص لحظات فرح وسط الركام، ويرفعون أكف الضراعة عسى أن يحمل الشهر الفضيل انفراجة حقيقية، ترمم البيوت قبل الأبدان، وتلم شمل الشتات، لتعود لرمضان في المخيمات بهجته التي غيبتها السنون.

الأخبار والمقالات ذات صلة

الوسوم :
المشاركة