فايز أبو عيد
بعد أكثر من عقد على اندلاع الثورة في سورية، لا تزال قضية المغيبين والمفقودين الفلسطينيين واحدة من أكثر الملفات إيلامًا وتعقيدًا، في ظل غياب الشفافية، واستمرار معاناة العائلات التي تنتظر إجابات عن مصير أبنائها، وبينما تتجه البلاد نحو مرحلة جديدة، يبقى هذا الملف مفتوحًا على أسئلة العدالة والذاكرة والمساءلة.
تشير إحصائيات مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية إلى توثيق أكثر من 7 الاف حالة اعتقال في صفوف اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 2011، إضافة إلى أعداد كبيرة من حالات الاختفاء القسري، في حين تم توثيق 1600 وفاة من المعتقلين تحت التعذيب في سجون النظام البائد.
هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى الموثق لدى مجموعة العمل، نتيجة صعوبات الوصول إلى المعلومات، وامتناع جهات رسمية عن الكشف عن مصير المعتقلين.
ومن نافل القول إن اللاجئين الفلسطينيين في سورية واجهوا وضعًا قانونيًا معقدًا؛ فهم لاجئون مسجلون لدى وكالة (الأونروا)، لكنهم في الوقت نفسه يخضعون لقوانين البلد الذي يقيمون فيه، ما جعلهم عرضة لانتهاكات مشابهة لما تعرض له سوريون، مع خصوصية إضافية مرتبطة بوضعهم كلاجئين.
جميع المحامين والحقوقيين الذين سبرت مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية آرائهم، شددوا على أن الاختفاء القسري لا يسقط بالتقادم، وهو جريمة مستمرة قانونًا، ما دامت الدولة لا تكشف عن مصير الضحية، موضحين أن الحفاظ على ذاكرة المعتقلين ليس مجرد فعل رمزي، بل جزء من مسار العدالة الانتقالية، وأساس لأي مصالحة حقيقية في المستقبل.
عندما يُغيب الإنسـان ولا تغيب قضيته
بدأ المحـامي ـ أ. باسـم يونس السـبع، بطرح سؤال مهم وجوهري ألا وهو، عندما يُغيب الإنسـان ولا تغيب قضيته.. كيف نحفظ ذاكرة المفقودين الفلسـطينيين في سـورية …!!
مشيراً إلى أن المفقود هنا ليس اسـماً في قائمة، ولا رقماً في أرشيفٍ بارد، بل هو إنسان له بيتٌ كان ينتظره، وأمٌّ لم تتوقف عن الدعاء له، وأطفالٌ كبروا وهم يسـألون عن وجهٍ غاب فجأة ولم يعد.
لهذا “الإخفاء القسري” لا يسرق حرية الإنسـان فحسب، بل يسرق الزمن من عائلته، ويحول الانتظار إلى شكلٍ من أشكال العذاب اليومي.
وأضاف السبع، بصفتي محامياً عملتُ على ملفات المفقودين، أؤكد أن أخطر ما يهدد الضحايا ليس الغياب وحده، بل النسيان، حيث تعتبر “الذاكرة” الجدار الأخير الذي يحمي حقوقهم، وهي الشـاهد الذي لا يجوز إسكاته.
فإذا ضاعت “الذاكرة”، ضاعت معها الحقيقة، وضاع معها الحق في العدالة.
لهذا يتوجب علينا للحفاظ على ذاكرة المفقودين “الفلسطينيين” في سورية البدأ بتوثيق أسمائهم وقصصهم وشهادات عائلاتهم، لأن كل شهادة هي “دليل”، وكل صورة هي وثيقة اتهام بوجه الجريمة.
فالتوثيق ليس عملاً أرشيفياً، بل هو فعل مقاومة قانونية وأخلاقية ضد محاولات الطمس والإنكار.
كما أن إحياء ذكراهم في الوعي العام، عبر فعاليات سنوية ومواد إعلامية ومعارض وشهادات حية، يذكر العالم بأن هناك أناسـاً ما زالوا عالقين بين الحياة والموت، وأن عائلاتهم تعيش عقوبة جماعية بلا حكم قضائي ولا نهاية واضحة.
ويتوجب علينا إنشـاء أرشيف وطني أو رقمي خاص بالمفقودين “الفلسطينيين”، إلى جانب عمل قانوني مستمر للمطالبة بكشف مصيرهم ومحاسبة المسؤولين، هو الطريق الوحيد لضمان ألا تتحول هذه القضية إلى صفحة منسية في كتاب الألم “الفلسطيني”.
فالمفقود لا يموت في ذاكرة أهله، ولا تسقط قضيته بالتقادم.
“فالعدالة تبدأ من الذاكرة، لأن من يُنسى.. يُظلم مرتين”
قضية كرامة وهوية وذاكرة جماعية
المحامية والصحفية نور عويس، أكدت في تصريح لمجموعة العمل، أن قضية المفقودين الفلسطينيين في سورية “ليست مجرد ملف قانوني، بل قضية كرامة وهوية وذاكرة جماعية”، معتبرة أن الحفاظ على ذكراهم هو شكل من أشكال المقاومة المدنية في وجه النسيان والإفلات من العقاب.
وشددت عويس على ضرورة توثيق أسماء المفقودين وقصصهم بشكل مهني ومنهجي بعيدًا عن التسييس، مؤكدة أن “كل مفقود هو حياة كاملة وعائلة تنتظر، وليس رقمًا في قائمة”. ودعت إلى إنشاء أرشيف مستقل، رقمي وورقي، يجمع الشهادات والوثائق والصور، حفاظًا على الحق في الحقيقة ومنع ضياع الذاكرة.
كما طالبت بتوفير الدعم النفسي والقانوني لعائلات المفقودين، وإدماج قضيتهم في الخطاب الإعلامي والثقافي والحقوقي، إلى جانب تعزيز الشراكات مع المنظمات الدولية لضمان بقاء الملف حاضرًا في مسارات المساءلة. وختمت بالقول: “نحن لا نطالب فقط بمعرفة مصيرهم، بل بحماية إنسانيتهم من النسيان، لأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تسقط بالتقادم.
ليسوا أرقامًا في قوائم
اعتبر المحامي كمال محمد أن الحفاظ على ذاكرة المفقودين الفلسطينيين في سورية يشكل مسؤولية أخلاقية وإنسانية وقومية، مشددًا على أنهم “ليسوا أرقامًا في قوائم، بل آباء وأبناء لهم أسماء وحكايات يجب أن تبقى حاضرة حتى تتحقق العدالة”.
وأضاف محمد أن معاناتهم تمثل امتدادًا لمسار اللجوء الفلسطيني منذ النكبة، بما يحمله من ألم وفقدان متكرر، موضحاً أن صون هذه الذاكرة يقوم على عدة ركائز أساسية، في مقدمتها التوثيق الشامل لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات حول المفقودين، حفاظًا على الذاكرة المكانية والإنسانية، إلى جانب حماية الرواية الشفوية ونقلها إلى المجتمع والأجيال القادمة.
وأشار إلى أهمية إطلاق أنشطة أدبية وتوثيقية، تشمل إنتاج أعمال سردية ودرامية تعكس معاناة المفقودين وذويهم، وإنشاء متاحف تحفظ مقتنياتهم الشخصية وتوثق أماكن الاعتقال، إضافة إلى بناء قاعدة بيانات رقمية تضم الشهادات الحية والصور والوثائق، بما يضمن بقاء القضية متاحة للرأي العام.
وختم بالتأكيد على أن جوهر هذه الجهود يبقى في تطبيق مبدأ العدالة والمساءلة، عبر العمل على كشف مصير المفقودين ومحاسبة المسؤولين عن اختفائهم.
منع طيّ هذا الملف
في السياق، يشدد المحامي أحمد شاويش على أن إحياء ذكرى المفقودين والمختفين قسراً، والاستمرار في المطالبة بحقوقهم يشكلان مسؤولية جماعية لا يجوز التفريط بها، ويمكن في هذا الإطار إطلاق عدد من المبادرات المجتمعية التي تسهم في صون الذاكرة وتعزيز التضامن مع عائلاتهم.
من بين هذه المبادرات إقامة لوحة جدارية تضم أسماء جميع المفقودين، توضع في مكان بارز كمدخل البلدة أو المخيم، لتكون شاهدًا دائمًا على حضورهم في الوعي العام ورسالة واضحة بأنهم لم يُنسوا.
ونوه شاويش إلى ضرورة وأهمية تنظيم زيارات تضامنية لعائلات المفقودين، بما يعكس الدعم المعنوي ويخفف من وطأة الغياب، عبر كلمة طيبة أو لفتة رمزية تؤكد أن المجتمع يقف إلى جانبهم.
ويمكن كذلك عقد ورشات عمل ولقاءات توثيقية تُعرض خلالها شهادات ذوي المفقودين، مع تسليط الضوء على ظروف الاعتقال أو الفقدان، بما يحفظ الرواية الإنسانية ويوثقها للأجيال القادمة.
وأشار شاويش إلى أهمية إشراك منظمات حقوقية في زيارة المخيمات أو المناطق التي ينتمي إليها المفقودون يمكن أن يوفر دعمًا نفسيًا واجتماعيًا للعائلات، إلى جانب تعزيز التوثيق المهني للقضية.
وفي ختام حديثه لـ “مجموعة العمل” شدد شاويش على أن مثل هذه المبادرات، وإن بدت بسيطة، تحمل أثرًا عميقًا في تثبيت الذاكرة الجماعية ومنع طيّ هذا الملف، ويبقى الأهم هو التمسك الدائم بمبدأ العدالة الانتقالية، والتأكيد أن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن كل من تورط في انتهاك حقوق الآخرين سيخضع يومًا ما للمساءلة القانونية.
تعزيز قضيتهم في الوعي المجتمعي
صرّحت المحامية نونار رجا لمجموعة العمل أن الحفاظ على قضية المفقودين الفلسطينيين في سورية يتطلب خطوات عملية ومنهجية، تبدأ بتوثيق أعدادهم وأسمائهم بدقة، وجمع شهادات عائلاتهم وأصدقائهم لكتابة سيرهم وقصصهم الإنسانية بعيدًا عن الاختزال أو النسيان.
وأكدت أهمية إنشاء أرشيف خاص بالمفقودين الفلسطينيين في سورية يضم المعلومات والوثائق والصور المتعلقة بهم، بما يسهّل الوصول إليها من قبل الباحثين والمهتمين، ويصون الذاكرة الجماعية من الضياع.
وأضافت رجا أن تنظيم فعاليات عامة، مثل المعارض الفنية والندوات الحوارية، يسهم في تسليط الضوء على تجارب المفقودين ومعاناة عائلاتهم، ويعزز حضور قضيتهم في الوعي المجتمعي.
كما شددت على ضرورة التعاون مع منظمات محلية ودولية لضمان حماية هذا الملف كجزء أصيل من ذاكرة الشعب الفلسطيني في سورية، والعمل على إبقائه حاضرًا في الأطر الحقوقية والإنسانية.
وختمت المحامية نونار رجا بالتأكيد على أهمية توظيف منصات التواصل الاجتماعي لنشر قصص المفقودين بشكل مستمر ومهني، بما يوسع دائرة التضامن ويمنع طيّ هذا الملف أو تهميشه.
ليسوا مجرد قضية عابرة في سجل النزاع
يمكن القول إن الحق في معرفة الحقيقة حق أصيل للعائلات، نصّت عليه مواثيق دولية عدة، ويشمل الكشف عن مصير المختفين وأماكن احتجازهم، وتسليم الجثامين في حال الوفاة، وضمان تعويض معنوي ومادي للأسر المتضررة.
أما اليوم، ومع استمرار الغموض حول مصير كثيرين، يبقى التحدي الأكبر هو منع طيّ هذا الملف تحت ضغط التحولات السياسية، فحفظ الذاكرة لا يعني فقط تخليد الأسماء، بل الإصرار على الحقيقة، وصون حق العائلات في العدالة، وضمان ألا تتكرر المأساة.
إن المعتقلين والمفقودين الفلسطينيين في سورية ليسوا مجرد قضية عابرة في سجل النزاع، بل جزء من الذاكرة الجمعية للاجئين الفلسطينيين، وحماية هذه الذاكرة، وتوثيقها، والعمل على كشف الحقيقة بشأنها، تمثل خطوة أساسية في مسار طويل نحو الكرامة والإنصاف.

